Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Friday, January 19, 2018

Text Size

 

Last Judgment 100x138واقع الديانة المسيحية هو حلول يوم الدينونة في آخر أيام تاريخ البشرية. وبالرغم من أنّ معظم العالم يعيش وكأنّ هذا الواقع لن يحلّ أبداً، إلا أنّه سيحلّ، فسيكون للبعض يوماً للرعب والرعدة، وللبعض الآخر يوماً لفرح اللقاء مع الربّ المحبوب.

ما الذي نعرفه عن الدينونة الأخيرة؟ وهل نفهم بشكل سليم تلك المعلومات القليلة الواردة في الكتاب المقدس؟

تؤكّد المسيحية على أنّ الإنسان هو مخلوق أبدي وأنّ الحياة الأرضية هي مجرّد لحظة في وجه هذه الأبدية. ومع ذلك لا نجد في تعليمها إلا القليل حول الحياة الأبدية نفسها وتلك الدينونة التي سيمثل أمامها كل واحد. الكتاب المقدّس مليء بالأحاديث حول ماضي البشرية من بدء الخليقة حتى تأسيس الكنيسة من قبل ابن الله المتجسّد. هناك أيضاً نبوءات حول المستقبل ونهاية تاريخ البشر وحتمية الدينونة الأخيرة، ولكن لا يرد فيه إلا القليل من المعلومات حول صُلب الحياة بعد الموت وكيف ستكون الدينونة.

إنّ هذا الموقف الحذر من سرّ الدينونة والأبدية تكمن فيه الحكمة العميقة لمؤلّف كلام الله (الكتاب المقدس) وعنايته الفائقة بنا. الطبيعة الماكرة للإنسان الخاطئ تدفعه إلى أن يبتكر شتى الطرق ليجد مكاناً "مريحاً" "هناك" فور معرفته بعض المعلومات عن الحياة بعد الموت. إذا كانت تكثر هناك الطرائد فيجب أخذ القوس والسهام معه في القبر. إذا كانت هناك طريدة ويمكن الصيد، فيجب أن يكون من بين الصيّادين من يقودهم، أيْ أنه لا بدّ من أخذ الزوجات والخدّام والخيل والذهب أكثر ما يمكن لتولّي الرئاسة "هناك" أيضاً.

كلما ازدادت التفاصيل حول الحياة بعد الموت في التعليم الديني، كلما سهل اجتراف الأفكار السليمة الواردة فيه. تصوّرات المصريين القدماء حول الدينونة الأخيرة هي مثال واضح يدلّ على ذلك. كانت في أساس هذه التصوّرات الفكرة الواضحة بأنّ كلّ واحد مائت تنتظره الدينونة التي سيُعاقب فيها على خطاياه كما سيُكافأ لأعماله الصالحة. ولكنّ المصريين كانوا مُلمّين بكل تفاصيل إجراءات المحاكمة وكانوا يتصوّرون كل أخطار الدينونة بعد الموت جيداً إلى درجة أنهم ابتكروا شتى أنواع الحيل التي ضمنت لهم اجتيازاً ناجحاً لجميع الصعوبات التي بعد الموت. إذاً، ليست الصورة الأخلاقية للمائت هي الأهمّ، بل قدرته على دفع تكاليف الجنازة من أعلى مستوى للكهنة مع الالتزام بكافة الطقوس والطلامس والتعاويذ.

يبدو لي أنه منذ قديم الزمان لم تتغيّر طبيعة اهتمام الإنسان بتفاصيل الدينونة الآتية، فهذا الاهتمام تسبّبه في معظم الأحيان نفس الرغبة في الحصول على مكان أفضل بعد الموت. إذا كان الكتاب المقدّس قد كشف عن القليل وسكت عن بعض الأشياء فليس هذا من باب الصدفة. كما قال القديس ثيودوريتوس القورشي، "لا يجب البحث عمّا قد سُكت عنه، بل يجب محبّة المكتوب".

كلّ كتاب حول أسس التعليم الأرثوذكسي يمكننا أن نقرأ فيه الآتي (ببعض الفروقات الضئيلة): "يَمْثُل الإنسان بعد موته أمام محاسبة النفس الشخصية حيث يتقرّر مصيره حتى القيامة العامّة، فقبل القيامة العامة يتذوّق الأبرار الغبطة بغير كاملها، أمّا الخطاة الذين لم يتوبوا فهم مُعذّبون بشكل غير كامل. بعد القيامة العامّة تتمّ الدينونة الأخيرة العامة، وبعدها سيكون الأبرار في حالة غبطة أبدية والخطاة غير التائبين في العذاب الأبدي بشكل كامل".

كلّ الكلام هنا صحيح، وليس هناك مجال للخيال مثل الذي للمصريين القدماء... ولكن هذه الصيغ الجافة الباتّة والتي كأنّ صياغتها وُضعت للحفظ عن ظهر القلب لا يمكن مقارنتها بتلك الصور الساطعة من الكتاب المقدس والأمثال التي كشف فيها الربّ عن سرّ الأبدية. كتاب التعليم المسيحي لا يمكن إلا حفظه عن ظهر القلب، أمّا كلام الله فيمكن الإمعان في قراءته والتأمّل فيه طويلاً وبمحبّة. أثناء القدّاس يقبّل الكاهن أو الشمّاس الصفحة المفتوحة للإنجيل بعد قراءته، ولا يمكن أن نتخيّل أن يقبّل أحدٌ كتاب التعليم المسيحي بنفس المحبّة. ولكن عندما نبدأ نقرأ الكتاب المقدّس بتمعّن، نجد فيه العديد من المقاطع حول الدينونة التي ليس من السهل أن نطابقها على الصيغ من كتاب أسس التعليم المسيحي. لنحاول أن نتأمّل في بعضها.

"لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلص به العالم" (يو 3: 17). قد يبدو أنّ هذه الكلمات تلغي المحاكمة كلياً، ولكن ليس هذا صحيحاً، بما أنّ بولس الرسول يقول إنّه "لا بدّ أننا جميعاً نظهر أمام كرسي المسيح" (2كو 5: 10). قد ظهر ابن الله في مجيئه الأوّل إلى الأرض في صورة عبد مُخلياً ذاته، وقد ظهر ليس ليدين، بل ليخلّص. أمّا مجيئه الثاني فسيكون ليس في إخلاء الذات، بل في المجد للدينونة، حيث أنّ الله والربّ يسوع المسيح "عتيد أن يدين الأحياء والأموات، عند ظهوره وملكوته" (2تي 4: 1).

ولكن كيف ستكون هذه الدينونة في ضوء محبّة الله لنا؟ إنّ المحاكمة هي ليست مجرّد النطق بالحكم، بل هي بالدرجة الأولى إقرار الحق. عندما يمثل المُتهم أمام المحكمة لا بدّ أولاً من المعرفة إذا كان مذنباً فيما يُتهم به. أمّا الله فلا يحتاج إلى أيّ معرفة، فهو يعرف كل شيء. إنّ الدينونة ستكون لحظة معرفة الحق بالنسبة لنا نحن. عندئذ ستنكشف كلّ الأفكار الخفية، فسنرى أنفسنا كما نحن في ضوء الحقيقة وسنفهم بأنفسنا ما الذي نستحقه. والأعجب من هذا أنّ الدينونة بمعنى كشف الحقيقة هي ليست مجرّد الحدث المزمع أن يأتي، بل إنها قد ابتدأت. يقول الربّ في إنجيل يوحنا متابعاً كلامه إنه لم يأتِ ليدين بل ليخلّصه ما يلي: "وهذه هي الدينونة: إنّ النور قد جاء إلى العالم... لأنّ كل من يعمل السيّآت يبغض النور، ولا يأتي إلى النور لئلا توبّخ أعماله. وأمّا من يفعل الحق فيُقبل إلى النور، لكي تظهر أعماله أنّها بالله معمولة" (يو 21-19: 3).

ابن الله، نورٌ من نور الآب، جاء إلى الأرض وقد أضاء العالم بظهوره. وفي ضوء ظهوره ينكشف ما هو الشرّ وما هو الخير. كلّ من يتقرّب منه يستطيع أن يبدأ يدرك الحقيقة عن نفسه وأن يبدأ يدين نفسه. من العجيب أنه بالرغم من أنّ ابن الله لم يأتِ مع الملائكة ولم يجلس بعد على العرش ليدين، إلا أنّ الدينونة بدأت تحدث بالتدريج في حياة المسيحيين الكثيرين. وهذه صفة مميّزة للإنجيل، فكما أنّ ملكوت السموات قد ابتدأ في حياة المسيحيين ولكنه لم يحلّ بالكامل بعد، هكذا الدينونة قد ابتدأت ولكنها ستحلّ بكاملها في نهاية التاريخ. نحن نصلّي بكلمات الربّ "ليأتِ ملكوتك"، ولكن الربّ نفسه قال إنّ ملكوت الله داخلكم (لو 17: 21). هكذا الدينونة أيضاً: "وُضع للناس أن يموتوا مرّة، ثمّ بعد ذلك الدينونة" (عب 9: 27)، ولكن "النور قد جاء إلى العالم"، وهذه هي الدينونة.

إضافة إلى ذلك، عندما نحاول أن نفهم كلام الربّ بأنه لم يأتِ إلى العالم ليدينه بل ليخلّصه يجب أن نتذكّر كيف كان المستمعون إلى المسيح أيْ اليهود يتصوّرون الدينونة الآتية. كان الشعب اليهودي ينتظر الدينونة بفرح. ومع أنّه يمكن إيجاد بعض الكلمات في الكتاب المقدّس حول محاسبة كل واحد على أعماله الشخصية، إلا أنّ الدينونة بالنسبة لليهود كانت بمثابة لحظة انتقام من ظالميهم انتظروها طويلاً. كان اليهود يتوقعون أنهم لن يُحاسبوا في هذه المحاكمة على أعمالهم أمام الله، بل سيكونون هم المدّعين والمتّهِمين للأمم واليهود المرتدّين، وأنّ الله في هذه الدينونة سيحمي اليهود المضطهَدين أخيراً ويعاقب الوثنيين ويُخضِعهم للشعب اليهودي. إنّ النداء الملتهب في المزمور إلى معاقبة الأشرار: "وأنت يا ربّ إله الجنود، إله إسرائيل انتبه لتطالب كل الأمم. كلّ غادرٍ أثيمٍ لا ترحمْ" (مز 59: 5) كان يجد صدىً أكبر عند اليهود مقارنة بالاعتراف المتضع بتعاسة الذات أمام الدينونة الإلهية: "لا تدخل في المحاكمة مع عبدك، فإنه لن يتبرّر قدّامك حيّ" (مز 143: 2).

وهكذا، في نظر اليهودي الذي كان ينتظر الدينونة كلحظة ظفره بالأمم كانت كلمات الربّ بأنه أتى ليخلّص العالم تعني أنه لن يكون هناك حكم جماعي على الوثنيين، فالربّ أتى ليس ليدينهم، بل ليخلّصهم.

"إنّ من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية، ولا يأتي إلى دينونة، بل قد انتقل من الموت إلى الحياة" (يو 5: 24). قد يبدو من هذا الكلام أنّ ليس كل الناس يحتاجون إلى المثول أمام المحاكمة، وأنه يكفي الإيمان بالله لتجنّب المحاكمة. يشير الباحثون المعاصرون إلى أنّ فعل κρίνω في اليونانية يعني ليس فقط "المحاكمة" بل "الحكم" أيضاً. ومع أنّ كلمة κρίσις ("المحاكمة") المشتقة من فعل κρίνω تعني في اليونانية القديمة عملية المحاكمة، إلا أنّه في الاستخدام اللغوي لكتّاب العهد الجديد الذين لم تكن اليونانية لغة أمٍّ لمعظهم، كانت هذه الكلمة تعني النتيجة، أيْ "الحكم".

يتوافق كلام الباحثين المعاصرين مع الآباء القدّيسين. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم مباشرة دون أن يخوض في التفاصيل اللغوية إنّ كلمات "لا يأتي إلى دينونة" تعني أنه "غير خاضع للعقوبة". وبالتالي، تحمل كلمات "لا يأتي المؤمن إلى دينونة" نفس المعنى الذي لقول الربّ: "الذي يؤمن به لا يُدان" (يو 3: 18)، والترجمة السلافية (веруяй в Онь несть осужден) تنقل معناها أحسن {أيْ "المؤمن به غير مدان"}. ومع أنّ الدينونة النهائية آتية لاحقاً، تشير صيغ أفعال المضارع ("لا يأتي إلى دينونة"، "لا يدان") إلى أنّ عملية المحاكمة قد ابتدأت، ومن الآن المؤمن لا يُدان، إنْ جاز التعبير.

"ألستم تعلمون أنّ القدّيسين سيدينون العالم؟" (1كو 6: 2). قد تولّد كلمات الرسول هذه بعض الشكّ، فمَن هو الذي سيدين العالم، ألله أمْ القدّيسون؟ يجب الانتباه في هذا المقطع إلى كلمات "ألستم تعلمون" التي تدلّ على أنّ بولس الرسول يذكّر أهل كورنثوس بما كان يجب عليهم أن يعرفوه من زمان، أيْ بسفر دانيآل النبي. يقول الإصحاح العاشر منه إنّه "أُعطي الدين لقدّيسي العليّ" (دا 7: 22). ولكن إذا أمعنّا قراءة كلمات النبي وجدنا أنّ الدينونة كإقرار ملكوت الله نهائياً يصنعها الله، أمّا القدّيسون فيُمنحون الدينونة كصفة لسلطتهم في ملكوت الله. إذا كان العالم قبل دينونة الله الأخيرة محكوماً ويُحكم عليه من قبل ممالك مجدّفة ومتوحّشة، فإنه بعد إقرار ملكوت الله ستكون السلطة والمحاكمة في أيدي القديسين.

وأيضاً، يحدّثنا الربّ نفسه في الإنجيل كيف سيكون دور القديسين في الدينونة: "رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه، لأنهم تابوا بمناداة يونان، وهوذا أعظم من يونان ههنا! ملكة التيمن ستقوم في الدين مع هذا الجيل وتدينه، لأنها أتت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان، وهوذا أعظم من سليمان ههنا!" (مت 42-41: 12). وهذا يعني أنّ القدّيسين لن يدينوا الآخرين بحسب هواهم، وإنما مجرّد وجودهم ووجود برّهم هو الذي يدين الأشرار. إذا كان الأبرار قد احتفظوا بالإيمان والبرّ في ظروف صعبة، فليس للأشرار أيّ مبرّر بما أنه توفرت لهم كل الفرص للعيش بحسب وصايا الله. نفس الكلام حول برّ نوح نجده في الرسالة إلى العبرانيين: "بالإيمان نوح ... دان العالم" (عب 11: 7). كان نوح عائشاً في نفس العصر مع الجيل الفاسد، ولكنه احتفظ بالإيمان، وبإيمانه وحده دان العالم الفاسد كله.

وهذا ما يقصده الربّ عند قوله للرسل: "في التجديد، متى جلس ابن الإنسان على كرسيّ مجده، تجلسون أنتم أيضاً على اثني عشر كرسياً تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر" (مت 19: 28). سينال الرسل السلطة للحكم في التجديد، أيْ في ملكوت الله، بخلاف هذا الزمن الذي يحكم فيه الحكّام الملحدون. سيدين الرسل أسباط إسرائيل الاثني عشر لأنهم يكوّنون بقية إسرائيل المقدّسة تلك التي لم ترتدّ عن الله، وفي نفس الوقت هم آباء إسرائيل الجديدة، كما كان البطاركة الاثنا عشر هم رؤساء الآباء لإسرائيل العتيقة. لذلك فإنّهم بمجرّد إيمانهم بالمسّيا سيدينون إسرائيل العتيقة التي لم تعترف بالمسّيا.

دينونة الله لا محالة منها. ستكون الدينونة مثلما يميّز الراعي الخراف عن الجداء، ومثلما يجمع الصيّاد من أسماك صيده الجياد ويطرح الأردياء خارجاً، ومثلما يجمع الحصّادون الحنطة ويحرقون الزوان. إنّ الدينونة ستباغت الذين يأكلون ويشربون ويمرحون ناسين الله واحتياجات القريب. ستكون الدينونة لقاءً فرحاً بالربّ للذين يتذكّرونه ويسهرون في العناية بعبيده.

مع أننا لا نعرف إلا القليل عن هذه الدينونة، فهذا القليل الذي كُشف لنا يجب أن نحبّه وأن نتأمّل فيه بصلاة. عندئذ كلمات الكتاب القليلة من شأنها أن تغيّر حياة الإنسان وتشقّ له الطريق إلى الله.

 

الأرشمندريت سابا (غاماليّ)

(الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية)