Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Sunday, October 21, 2018

Text Size

 

1228 600x439 100x73ذات يوم كان الدليل في متحف الطيران يفرّجنا على النماذج الأولى للطائرات ويتحدّث بإلهامٍ كيف كان البشر منذ قديم الزمان يحلم بأن يتعلـّم الطيران وكم كانت كل محاولاته الكثيرة للتشبّه بالطيور فاشلة بل مأساوية.

تحدّث أيضاً كيف اجتهد العقل البشري بإصرار في حساب كل ما هو ضروري للانقلاع عن الأرض. وختم حديثه قائلاً بافتخار: "وأخيراً تعلـّم الناس الطيران، وتعلـّموا الارتفاع إلى السماء وحتى أعلى من السماء!".

أجل، قد تعلـّموا ذلك. ليس في استطاعة الطيور الارتفاع إلى العلو الذي يرتفع إليه الإنسان اليوم. ولكن... هل هذا الارتفاع عالٍ حقاً؟

جاءت يوماً للجدّة العجوزة الحكيمة حفيدتها مسرعة من المدرسة وأخبرتها: "يا جدّتي! الله غير موجود! حدّثتنا المدرّسة أنّ روّاد الفضاء فحصوا الكون ولم يجدوه". فابتسمت الجدّة: "هذا يعني أنهم لم يصعدوا إلى العلو".

السماوات التي يكون فيها الله من المستحيل أن تصلها أيّة آلة للطيران ابتكرها البشر. إنها أعلى بكثير، ولكن المسألة ليست مسألة مسافة.

هناك مسافة تقاس بالكيلومترات، ويعتمد قطعها على الحسابات والآلات. ولكن بماذا تقاس تلك المسافة حيث يصير ما هو زمني أبدياً وحيث تسود المحبّة والحق والجمال بالكلية؟ إنه علو آخر وسماوات أخرى. دخولها كان يُمنع على الإنسان دائماً. كان في استطاعته أن يبلغ القمر والسحاب والنجوم والكواكب، ولكنه لم يكن يصل حيث يكون الله.

يعرف الجميع عيد روّاد الفضاء. في 12 أبريل عام 1961 انطلق الإنسان لأوّل مرة إلى الفضاء. كتبت الصحف في ذلك الوقت: "من الآن انفتح أمامنا الطريق إلى الكواكب!"، "البشرية انطلقت إلى الفضاء!".

ولكن يمكن أن نعترض على ذلك ونقول إنّ الإنسان المحدّد انطلق إلى الفضاء وليس البشرية كلها. أجل، يوري جاجارين انطلق، وما علاقتي أنا وباقي البشر بذلك؟ ولكن الجميع ابتهجوا في تلك الأيام، بالرغم من أنّ الأغلبية الساحقة من الناس من المستحيل أن يحلموا بالانطلاق إلى الفضاء يوماً أيضاً.

وهذا الشعور صحيح! فكلّ ما يعمله أحدٌ منا يخصّ كل إنسان آخر، سواء كان هذا العمل جيداً أم رديئاً. ليس في قدرة الجميع أن يشعروا بهذا الارتباط على نطاق البشرية، ولكن يتجلى ذلك من خلال مجموعات أصغر – على سبيل المثال، في الأسرة. إذا ارتكب أحد من الأسرة شيئاً مخزياً فجميع أفراد الأسرة يشعرون بالخجل. وإذا قال أحدهم أنّ هذا لا يخصّه فمثل هذا التصريح يُعتبر غير أخلاقي.

إذا كان أحدنا مذنباً فجميعنا مذنبون. لأنّ جميعنا وحدة واحدة إلى حدّ ما. أكرّر وأقول إنّ هذا يتجلى بوضوح في الأسرة. ولكن البشرية كلها هي أسرة واحدة. وإذا كنا لا نشعر بذلك فهذا من جرّاء الخطية الجدّية التي شقـّت البشرية وجعلت منها ما عبّر عنه ألكسندر بوشكين قائلاً: "نعتبر الجميع أصفاراً، ونعتبر أنفسنا وحدات".

ولكن ابن الإنسان جاء إلى هذا العالم "ليجمع أبناء الله المتفرّقين إلى واحد" (يو 11: 52). وبقدر ما نحن مسيحيون، نشعر بعلاقتنا بكل ما يعمله على الأرض إخوتنا وأخواتنا.

قال إريك فروم: "أؤمن بأن كل إنسان هو ممثل البشرية كلها. نحن نختلف من ناحية مستوى العقل والصحة والمواهب. ومع ذلك نحن واحد. نحن جميعاً – القديسون والخطاة، الكبار والصغار، وليس أحد يرتفع فوق الآخر ولا يحكم عليه. جميعنا استيقظنا مع بوذا، وصُلبنا مع المسيح، وقـُتلنا وظـُلمنا من قبل جنكيز خان وستالين وهتلر". هذا كلام إنسان غير مسيحي، ولكنه في رأيي كلام جيّد. إلا أننا مع المسيح لم نُصلب فقط، وإنما قمنا معه! المسيحيون الأرثوذكس كانوا يعيشون فرح هذا الحدث خلال الأربعين يوماً التي يُعيّد فيها للفصح وهم يذكـّرون أنفسهم وبعضهم بعضاً بذلك بكلمات: "المسيح قام! حقاً قام". قد انتهى الاحتفال بالفصح ويليه مباشرة عيد صعود الرب. ونتذكر فيه كيف ارتفع الإنسان إلى السماء لأول مرّة!

هي ليست تلك السماء التي النجوم منثورة فيها، وإنما السماء التي الله وحده كان يمكن أن يكون فيها من قبل. ولكي يتحقق ذلك، الرب نفسه نزل إلى الأرض وصار إنساناً وعاش وسط الناس 33 سنة حياة بشرية واقعية ملؤها الحق والمحبة والخير، ومات من أجل حياة العالم وقام من بين الأموات. وفي اليوم الأربعين بعد قيامته أخرج يسوع تلاميذه "خارجاً إلى بيت عنيا، ورفع يديه وباركهم. وفيما هو يباركهم، انفرد عنهم وأُصعد إلى السماء" (لو 24: 50-51).

قد يقول البعض: "لقد رجع إلى حيث كان". ليس هكذا تماماً. قد جاء من السما وهو الله، وصعد إلى السماء وهو قد صار إنساناً. الله الابن كان دائماً في السماء مع الآب. ومن الآن، من يوم الصعود، ابن الإنسان هو الذي يكون عن يمين الآب. وبالتالي، كل البشرية في صورته صار لها وطن في السماء.

قال الربّ للتلاميذ قبل أن يمضي: "... وآخذكم إليّ، حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً" (يو 14: 3). ثمّ صلي للآب لأجل التلاميذ ولأجل الذين يؤمنون به بكلامهم، أيْ كلّ المسيحيين: "أيها الآب، أريد أنّ هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا" (يو 17: 24).

هل ندرك نحن قوّة هذه الكلمات؟ إذا كان الله نفسه يقول "أريد"، فهل هناك من مانع؟ هناك شيء وحيد يمكن أن يمنع: إذا ردّ الإنسان على قول الرب "أريد" قائلاً "أنا لا أريد".

قد صعد الرب إلى السماء. هناك الآب وهناك الموطن. ليس موطنه هو فحسب، بل موطننا نحن أيضاً. ولا يبقى سوى شيء واحد: ما الذي نختاره نحن – السماء أم الأرض؟

لنسأل أنفسنا عن ذلك في يوم الصعود. إذا قلنا أننا نختار السماء، قد نكون نخدع أنفسنا. ليس من الصعب أن نتحقق من صدق اختيارنا، فيكفي متابعة مشاعرنا بانتباه. ما الذي نهتمّ به، ما الذي نقلق عليه، ما الذي نفرح له أكثر من أيّ شيء آخر في حياتنا؟ لنسأل قلوبنا عندما نغضب أو نحزن لسببٍ ما: من أجل ماذا يكون ذلك؟ من أجل أمر زمني أو أبدي؟ إذا كان السبب هو أمر زمني أرضي، فهذا يعني أننا لم نصل بعد إلى الإدراك أننا مواطنو السماء.

إذا كنا نرغب في شيء رغبة شديدة جداً، فلنتساءل مجدداً: هل هذا ما يجب أن نرغب فيه؟ قال الرب: "لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض، حيث يفسد الصوص والصدأ، وحيث ينقب السارقون ويسرقون. بل اكنزوا لكم كنوزاً في السماء، حيث لا يفسد صوص ولا صدأ، وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون. لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضاً" (مت 6: 19-21).

ما هي الكنوز التي نتمنى اقتناءها؟ ما هو الغنى الذي نرغب فيه؟ هل أهمّ الاهتمامات في حياتنا هو اقتناء الروح القدس أم اقتناء الخيرات المادّية؟ إذا كنا نطلب أموراً روحية، فثمر الروح هو: "محبّة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفف" (غل 5: 22-23). إذا كنا نسعى إلى ذلك، فنحن نطلب السماء، وإذا رغبنا في غير ذلك فلا نزال نحفر في الأرضيات.

إذاً، الإله الإنسان الساكن في السماء يريد أن نكون معه. ما الذي يمكن أن يمنعنا من أن نسكن السماء أيضاً؟ رفضُنا وحده، وكسلنا وحده، بل قلة إيماننا بتعبير أدقّ. كل هذا يمكننا التغلب عليه بمعونة الله، إذا بذلنا جهداً. وقد أعطيت لنا الحياة الأرضية لبذل هذا الجهد، لأنّ "ملكوت السماوات يُغصب، والغاصبون يختطفونه" (مت 11: 12).

 

الأب إيغور غاغارين

(الكنيسة الأرثوذكسية الروسية)