Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Wednesday, August 15, 2018

Text Size

 

Voznes 100x126

انتهت بالأمس الفترة الأربعينية من الاحتفال بعيد الفصح، وخلال هذه الأيام الأربعين كنّا نتذكر المخلّص الذي كان يظهر لتلاميذه مرات كثيرة بعد قيامته لتقوية إيمانهم وإقناعهم بحقيقة قيامته وهو يريهم الجروح على جسده وعلى يديه ورجليه.

وعند ظهوره لهم كان يشاركهم الأكل ويتحدث معهم عن ملكوت الله ويعدّهم لمجيء المعزّي روح الحق الذي سيرشدهم إلى كل حق.

     كانت السنوات الأخيرة من حياة المسيح على الأرض قد مرّت أمام أعين تلاميذه الذين كانوا شهوداً لآلامه وموته على الصليب وتأكدوا من حقيقة قيامته. ولكن حتى بعد قيامته لم يستطيعوا إدراك معنى كل ما يجري، فسألوه في أحد أيام ظهوره لهم: "يا رب، هل في هذا الوقت تردّ الملك إلى إسرائيل؟" (أع 1: 6). كانوا لا يزالون يأملون في أن يسوع سيكون حاكماً أرضياً وملكاً لأسرائيل. ولم يفهموا إلا في اليوم الأربعين بعد قيامته عندما جاء بهم الرب إلى بيت عنيا وباركهم وأصبح يصعد إلى السماء أن الحديث لا يجري عن إعادة المملكة الأرضية بل أن الرب يدعوهم جميعاً كما يدعونا نحن بعدهم إلى ملكوته السماوي، وأنه قد فتح لهم طريقاً جديداً لم يسلكه إنسان من قبل.

تقول النصوص الليتورجية لعيد الصعود إن المسيح بعد صعوده إلى السماء وجلوسه عن يمين الله قد أجلس الطبيعة البشرية أيضاً على عرش الله. إنه عاد إلى حيث كان ولكنه لم يترك هذه الأرض بل بقي مع تلاميذه في الكنيسة التي كان قد أسسها وفي سرّ الإفخارستية الذي كان التلاميذ يقيمونه أسبوعياً بعد موته وقيامته لذكره. كما بقي في المعزّي الروح القدس الذي كان قد أرسله إلى الكنيسة والذي لا يزال حاضراً فيها ويدخل قلوبنا ويعطينا الشعور بالحياة الجديدة. وكان الرب قد اجتاز الآلام والموت ليهبنا إياه.

ولكن لماذا كانت هناك حاجة إلى المعزّي؟ لماذا كان يجب على التلاميذ البقاء في أورشليم بعد قيامة المسيح وانتظار حلول الروح القدس عليهم؟ كان لا بد من ذلك لأنه لولا معونة الروح القدس لما استطاعوا إدراك كل ما رأوه وسمعوه مما جرى أمام أعينهم. أجل، كانوا شهوداً لموت الرب وقيامته ولكنهم لم يكونوا قادرين على إدراك وتقييم هذه الخبرة ونقلها إلى الناس الآخرين. ولم يتحولوا من الصيادين إلى الرسل ولم يتوقفوا عن التساؤل عن قيام مملكة إسرائيل الأرضية إلا بعد حلول المعزّي الموعود به من الرب عليهم. فأدركوا أن مهمّتم منذ ذلك اليوم هي التبشير لكل الأمم وتعميدهم باسم الآب والابن والروح القدس وفتح طريق جديد أمامهم كان الرب قد فتحه لهمأي الطريق إلى الملكوت السماوي وإلى التأله وإلى الآب السماوي، الطريق الذي كانوا قد سلكوه بأنفسهم والذي فتحوه أمام أجيال كثيرة من المسيحيين حتى يومنا هذا.

ونحن اليوم في عيد صعود الرب عند سماعنا عن الأيام الأولى لوجود كنيسة المسيح على الأرض وعن بداية كرازة الرسل نشعر بأن لكل هذه الأحداث تأثيراً مباشراً على حياتنا لأننا نحن أيضاً نشارك في تاريخ الخلاص ولأن الرب يفتح أمامنا نحن أيضاً أبواب ملكوت السماوات بصعوده ويوجّه إلينا كل تلك الكلمات والوصايا والأمثال التي كان قد وجّهها إلى الرسل، ويدعونا نحن كما دعا الرسل إلى التبشير بموته وقيامته للعالم. بحسب قول بولس الرسول كلما نتناول جسد ودم الرب في سر الإفخارستية فبذلك نعلن ونعترف بموت الرب وقيامته.

إننا نحضر إلى كنيسة الله لنقوّي إيماننا ولنشعر بقرب الرب الصاعد إلى السماء منّا وحضوره بيننا إلى الأبد. بل ونحضر كذلك للحصول على القوة اللازمة لإتمام مهمّتنا وخدمتنا في هذه الأرض، وخدمتنا لا تزال هي نفسها أي الخدمة الرسولية. نحضر إلى هنا لكي يقوّينا الروح القدس الذي أرسله لنا الرب من الآب وليجدّد قلوبنا وعقولنا ومشاعرنا روحياً وليجعلنا رسلاً كما جعل الصيادين الجليليين البسطاء رسلاً.

لنتذكر في اليوم الذي نعيّد فيه لصعود الرب إلى السماء أنه موجود معنا دائماً وأنه قد وهبنا الروح المعزّي لنتقوّى به ولنستنير بحضور المسيح القائم من بين الأموات والصاعد إلى السماء ولنبشّر مثل الرسل بالآب والابن والروح القدس. آمين.

 

المطران هيلاريون ألفييف

(بطريركية موسكو)