Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Sunday, September 23, 2018

Text Size

 

Noah Mosaic 100x134بعد انتهاء الطوفان أصبح نوح يرسل الطيور من الفلك، وذلك لتجيء بالخبر بوجود أرض ناشفة. كان الغراب هو الأوّل الذي أُهّل لمهمّة تقصّي الأثر، "فخرج متردّداً حتى نشفت المياه عن الأرض" (تك 8: 7). ولكن نوح لم يستفد من طيرانه إمّا لأنّ الغراب كان يكفيه أن يتغذى من الجثث العائمة على سطح الماء أو لسبب آخر. وأصبحت الحمامة هي الكشّاف الثاني، وعدد مرّات طيرانها ثلاثة.

في أوّل الأمر "لم تجد الحمامة مقرّاً لرجلها" ورجعت إلى الفلك. وبعد ذلك أتت بورقة زيتون خضراء في فمها كنوع من الغنيمة غير الدموية، فعندها عرف نوح بأنّ المياه قد قلّت عن الأرض. وبعد أن أرسل الحمامة للمرة الثالثة لم تعد ترجع إليه. كانت مدة الانقطاع بين طيران الحمامة هي سبعة أيام (تك 8: 6-12).

الماء والحمامة... عندما نتفوّه بهاتين الكلمتين يجب أن نعود بذاكرتنا ليس إلى الكلام الذي قيل عن الطوفان فحسب، وإنما إلى حدث من الكتاب المقدّس يشارك فيه الماء والحمامة أيضاً وهو عماد الرب.

كما كان الطير البريء يطير فوق مياه الطوفان الثقيلة والعكرة هكذا كان يحلّق فوق مياه نهر الأردن الهادئة. وفي هيئته ظهر الروح القدس آنذاك بشكل منظور. لم يكن تجسّداً للروح، وإنما ظهوراً في هيئة مرئية يجمع بين رحمة الله القديمة (إنهاء كارثة الطوفان) والجديدة التي هي ظهور الله كثالوث ويسوع كمسيح.

لنرجع الآن بفكرنا إلى الفلك من جديد متذكّرين بأن الروح ظهر في نهر الأردن على هيئة حمامة. فهذا يعطينا صورة مميّزة لنعمة الروح القدس تخصّ كل واحد منا. كانت حمامة نوح تطير وترجع ولم تجد مقرّاً لرجلها بسرعة. أليست هذه هي صورة عمل الروح في قلوبنا التي غالباً ما تكون غارقة في المياه العكرة الميّتة؟

الصلاة المعروفة الموجّهة إلى الروح القدس التي نرفعها كل يوم للمعزّي باستثناء فترة البنديكوستاريون تتضمّن الرجاء: "هلّم واسكن فينا". فنردّد مئات المرّات على مدار السنة "هلّم واسكن فينا".

ويتضرّع ملايين المسيحيين مثلنا "هلّم واسكن"، ولكن الروح لا يجد أين يسكن ويحلّق مثل الحمامة التي لم تجد مقرّاً لرجلها فوق سطح الماء.

من ناحية، قد يكون السبب هو اللامبالاة من طرفنا، فكيثراً ما نطلب دون أن نفهم جيّداً ما الذي نطلبه بالضبط، بل نطلب "للاحتياط" استناداً إلى النص الجاهز والعادة اليومية ولا نشرك القلب في طلباتنا. إذا كنا نصلّي بهذه الطريقة فلا داعي لانتظار عمل النعمة فينا.

ومن ناحية أخرى، إذا كنا نطلب بانتباه ونفهم ما نرجوه فحتى في هذه الحالة تذكّرنا الحمامة من فلك نوح بأنه ليس من السهل أن يسكن الروح القدس في طبيعة الإنسان.

أولاً، ليس هناك مكان يهبط فيه. هناك منازل لا يمكن إيجاد مكان للجلوس فيها بسبب الزبالة والقذارة، وهناك أواني لن يسكب فيها أحد الماء لإطفاء عطشه لأنها وسخة جداً. وهناك نفوس بشرية لا يستطيع الروح القدس إلا أن يحلّق فوقها كما كان يرف على وجه المياه في بداية الخليقة (تك 1: 2).

وهكذا هم كل الناس في حالتهم الغير نقية قبل التوبة.

ولكن إذا بدأ الجهاد من أجل الله وكانت الدموع تذرف من أجل الخطايا أو إذا كان هناك نوع من العمل المقدّس أو السعي إلى القداسة فعندها يجد الروح "ورقة زيتون خضراء". إنها أبكار الأرض والذبيحة الأولى من ثمارها. ومع الوقت وليس في الحال يستطيع الروح أن يجد أرضاً ناشفة (غير مغمورة) في القلب حيث يستطيع أن يهبط.

نعود نتضرع إلى المعزّي ابتداء من عيد الخمسين: "هلمّ واسكن فينا"، فلا بد من أن نعمل ذلك بوعي وباستمرار وبإيمان حتى يسكن فينا بالفعل ويجيء بالتطهير من كل دنس والخلاص لنفوسنا، كما تقول الصلاة.

بحسب قوانين الحياة الروحية لن تنال ما لا تطلبه. إذا لم تطلب الروح فلن تناله. وإذا لم يسكن فيك الروح فينطبق عليك قول الرسول: " هؤلاء هم المعتزلون بأنفسهم، نفسانيون لا روح لهم" (يه 1: 19). لا فائدة من توقّع تنفيذ الوصايا من مثل هؤلاء الناس، فإنهم لا يقدرون إلا على الخطيئة والتمرّد والاستهزاء ممّا لا يهفمونه.

يجب ألا ننسى أيضاً أن الدينونة الأخيرة للأرض لن تأتي قبل أن يجد الروح القدس نفسه غريباً في عالم الناس، ولن يكون هناك مكان يسكن فيه ولن يدعوه أحد إلى داخل نفسه، وهذا ما كان قبل الطوفان بالذات، عندما قال الله: "لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد. لزيغانه هو بشر" (تك 6: 3).

لذلك فلنتضرّع إلى الروح حتى لا يبتعد عنا بل يسكن فينا. ولكن لنتضرّع "بإيمان غير مرتابين البتة، لأن المرتاب يشبه موجاً من البحر تخبطه الريح وتدفعه" (يع 1: 6).

 

الأب أندراوس تكاتشوف

(الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية)