Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Tuesday, May 22, 2018

Text Size

 

Post 100x133إنّ موقف الإنسان من الصيام هو أحد معايير تقييم إيمانه.

أجل، الإنسان ليس حاكماً لنفسه، فنحن لا نقدر على أن نقيّم أنفسنا ولا قريبنا تقييماً عادلاً. الحكم الحقيقي هو لله وحده، لذلك قيل لنا: "لا تدينوا". ومع ذلك فالموقف من الصيام هو معيار، وهو يُظهر إذا كنت تحبّ الكنيسة كأمّ أم لا، وإذا كان عندك خبرة خاصة بك في الاستفادة من الإمساك أم لا، وإذا كنت تخضع للعادات الدنيوية أم تقدّر حرّيتك الداخلية الخ.

لنتخيّل أن شابّاً ينتظر حبيبته الآتية إليه في القطار من بعيد، ولم يكن القطار قد وصل إلى المحطّة ولكن الشاب يمشي على الرصيف وهو ينظر إلى الساعة وقلبه يتوقف عن الخفقان تارة ويخفق بسرعة تارة أخرى. الشاب ينتظر وحالة نفسه هي الشوق واللهفة لتذوّق السعادة بعد طول انتظار. هكذا نحن يجب أن نستقبل الصوم المُقبل بنفس الشوق وخفقان القلب.

الصوم هو ربيع الروح والجهد المُنقي الذي نأخذه على عاتقنا من أجل استقبال عيد الفصح باستحقاق. كما أن الصيام هو صلب الذات وإماتة عاداتنا الشرّيرة من أجل الشركة في قيامة المسيح، لأن "الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات" (غل 5: 24).

من يقترب من الصيام بفرح روحي مُتنامي فإنه يستنشق عبير التحية الفصحية "المسيح قام!" ويسعى بكامل وعيه إلى ذلك الفردوس العقلي من حيث تنسكب هذه الرائحة الزكية. "لرائحة أدهانك الطيبة اسمك دهن مهراق" (نش 1: 3).

الحضارة الأوروبية التي نشأت على أساس المسيحيّة وتسمّي نفسها حالياً "حضارة ما بعد المسيحية" هي الحضارة التي تعاني من الفردية، حيث صار مبدأ "الاختيار الشخصي" و"الرأي الخاص" معياراً لتقييم كل شيء في العالم. أصبح الناس يقولون في كل مناسبة: "أنا أريد هكذا" و"هذا رأيي". لكن الغريب أنّ الظروف المعاصرة لا تعطي للناس فرصاً كثيرة لإبداء آراء شخصية عميقة مبنية على تفكير طويل. في معظم الأحيان يفكّر الناس بنفس الطريقة لأنهم ينهلون المعلومات من نفس المصادر على شاشات التلفزيون. وفي الحقيقة فإن انتصار الفردية تؤدّي إلى انتصار التفاهة وقلة التعبير، ومن الناحية الدينية يتبيّن هذا في عبارات شائعة مثل "لا تتدخلوا في خصوصيتي"، "الإيمان هو أمر شخصي" الخ.

لماذا نتطرّق إلى هذه المواضيع عند الكلام عن الصيام؟ لأن الحقيقة موجودة بشكل موضوعي، وبناء على ذلك يجب علينا أن نخدمها. الإنسان المؤمن يسعى إلى أن يخدم الحقيقة المتجسّدة وهي المسيح، ومع ذلك يسمع من كل الجوانب نفس "النغمات" على غرار: "لا حقيقة في العالم"، "الدين هو أمر شخصي"، "الناس أذواق" الخ. المعنى الوحيد الذي يكمن وراء هذه "النغمات" هو: "اطمئني يا نفسي وافعلي ما يحلو لك" وصلاة شيطانية واحدة "لتكن مشيئتي". في هذه الظروف الإنسان المؤمن مدعو إلى المعركة بحياته المسيحية وباعترافه بالإيمان، وهو مثل الفارس الذي تغطي الخوذة وجهه وقد نودي باسمه وقد دقت الطبول والجماهير على المنابر جمدت في انتظاره.

هل أذكّركم بأنه رغم أنّ جميعنا مدعوون للمعركة، مع ذلك ليس كل واحد منا جندياً في داخل نفسه؟ فأين نبحث عن المخرج وحلّ الخلاف؟ الجواب هو – في جامعية الكنيسة!

لا بدّ من أن نربّي وننمّي في أنفسنا الشعور بالانتماء إلى الكنيسة المسكونية. مهما كان عدد الناس الصائمين والمصلّين حولنا قليلاً، إلا أننا نصوم في نفس الوقت مع ملايين الناس المؤمنين. إن قانون الإيمان الذي أعترف به ليس عقيدتي الشخصية من تأليفي، بل هو إيمان الكنيسة الرسولية والإيمان الذي قد خلصت فيه ولا تزال تخلص ملايين النفوس. الأعياد التي نعيّد لها تخصّ ليس فقط الذين نراهم بجانبنا في الكنيسة، بل عدداً لا يُحصى من الناس الذين في نفس الوقت يرنّمون للرب بلغات مختلفة. ينطبق هذا الكلام على الصيام أيضاً. إنك تصوم ليس من أجل نزوتك الشخصية بل من أجل المسيح، وأنت تصوم ليس كما تريد ومتى تريد، بل عندما تريد الكنيسة وتبارك. أنت لا تصوم لوحدك بل مع عدد كبير من الإخوة والأخوات، وجهادهم الغير منظور يقوّي نفسك الضعيفة في وحدتها.

الشعور بالجامعية هو صلة بالكنيسة المنتشرة في كل الأرض من جهة وبـ"كنيسة أبكار مكتوبين في السماوات" (عب 12: 23) من جهة أخرى. وإذا كان الأمر كذلك، فإن كل شيء يكون أسهل وأكثر فرحاً ممّا يبدو من الوهلة الأولى في وسط العالم الغارق في السخافة.

يمكننا أن نصلّي هكذا: "أيها الرب يسوع المسيح، بصلوات جميع التائبين أمامك اقبل توبتي أيضاً"؛ "بصلوات جميع الصائمين صوماً حقيقياً والمتضعين أمامك علّمني أنا أيضاً أن أصوم". هكذا ندخل في مجال التواصل الروحي ليس فقط مع الذين نسمّيهم يومياً "الإخوة والأخوات"، بل مع إخوتنا وأخواتنا الحقيقيين في روح الصلاة والتوبة وأقاربنا الحقيقيين في الأسرة الكنسية الكبيرة.

يمكننا بل يجب علينا ليس فقط أن نصلّي من أجل الرحمة لأنفسنا بصلواتهم، بل أن نطلب أيضاً: "يا رب، اقبل جميع الذين يوجّهون قلوبهم إليك، أصغ إلى تضرّعات الناس وطلباتهم، اغفر الخطايا لجميع الذين يبكون على خطاياهم". وبما أنّ صلاة الإيمان لا تبقى بلا ثمر، هكذا ندعم روحياً ولو نفساً بشرية واحدة ولو للحظة واحدة.

الصلوات مثل هذه هي جامعية حقيقية وانتصار على الأنانية التافهة والفردية المتعفنة التي قد ترسّخت في أذهان معاصرينا مثلما تلتصق بأذهاننا أحياناً ألحان الأغاني السخيفة. وهي صلوات تشبه تلك التي نصلّيها يوم السبت عشية أحد المغفرة، عندما تقيم الكنيسة تذكار الرجال والنساء الذين بلغوا القداسة عن طريق الصوم والصلاة وهم القدّيسون المتوشحون بالله (الرهبان) والمتبالهون من أجل المسيح. فتسعى الكنيسة إلى أن تنال معونتهم بصلاتهم من أجلنا لكي يساعدونا في جهادنا وهم قد أخزوا الشيطان بسلاح الصوم.

إذاً، ليس هناك من بيننا من هو جندي وحيد، بل على العكس يجب أن يشغل كل واحد مكانه في صفوف الجيش. الجيش المنضبط والمطيع لقائده (حتى لو لم يكن كل جندي على حدة مقاتلاً ماهراً) لا بدّ من أن يقهر عدوه إذا كان كل مقاتل في صفوف العدو بطلاً شجاعاً ولكن لم يكن بينهم انضباط عام ووحدة.

إن الشعور بالوحدة الروحية والانتماء إلى جيش عظيم يقوده الرب يسوع المسيح القائم من بين الأموات من شأنه أن يحوّل ضعفنا الشخصي إلى قوة جامعية. وما لم نقدر عليه من تغيير الذات على مدى سنوات قبل الصوم وبدون الصوم سيكون قابلاً للتغيير بقوة النعمة المعطاة من الله للكنيسة الصائمة.

فإلى الأمام يا جنود المسيح لاستقبال القائم من الأموات! "إن الفرح قد أتى بالصليب منتشراً في كل العالم"! شجّعوا وادعموا بعضكم البعض ولا تعطوا ظهوركم للعدو. فهلموا نضيف ثلاث كلمات ذهنياً إلى قانون الإيمان في فترة الصوم الكبير: "أؤمن بكنيسة واحدة جامعة مقدّسة رسولية دخلت في جهاد الصوم"!

 

الأب أندراوس تكاتشوف

(الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية)