Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Monday, August 20, 2018

Text Size

أهلاً بكم في موقع التراث السلافي الأرثوذكسي باللغة العربية

 

Pp1 100x150يبدو أنّ الكنيسة من خلال تعييدها للرسولين بطرس وبولس في يوم واحد تريد أن تذكّرنا بتنوّع الطبائع البشرية والطرق المؤدّية إلى الله. يسمّى كلاهما بهامتيْ الرسل، ولكن أوّليتهما مختلفة. كان بطرس من أقرب التلاميذ للمسيح أثناء حياته الأرضية، أما بولس فلم يكن له علاقة بأحداث الإنجيل البتة وبدأ يكرز بعد وقت طويل مضى ولم يكن يُعتبر من الرسل الاثني عشر "رسمياً". ومع ذلك يمكننا مقارنة مصيرهما بشكل عام.

كان سمعان الذي سمّي باسم بطرس لاحقاً مثل أخيه أندراوس صيّاداً جليلياً بسيطاً. كان الجليل أبعد مناطق فلسطين عن أورشليم وكان يقطنه عدد كبير من الوثنيين. كان أهل العاصمة ينظرون إلى الجليليين بتكبّر كونهم قرويين، وحتى لهجتهم كانت تميّزهم، كما حصل لبطرس في دار رئيس الكهنة. وكانت مهنة صيّاد السمك أكثر الحِرف بساطة وقناعة. كانوا يصيدون السمك في بحيرة طبرية عادةً في الليل ولذلك لم يكن الصيّاد يشبع نوماً في أحيان كثيرة، وكان قد تشبّع برائحة السمك ولم يكن في وسعه أن يتوقع دخلاً معيّناً إذ كان كل شيء يعتمد على الحظ الجيد. إذاً، لم تكن حياة الصيادين الجليليين يُحسد عليها جدّاً، وربما لهذا السبب ترك سمعان وأندراوس شباكهما التي كانت بحاجة إلى التنظيف والترميم بعد كل صيد وأطاعا الواعظ المتجوّل الذي دعاهما قائلاً: "هلم ورائي فأجعلكما صيادي الناس". وهكذا أصبحا الرسولين المدعويين الأولين.

أما بولس (أو على الأصحّ شاول كما سمّي قبل اهتدائه إلى المسيح) فعلى العكس كان ينتمي إلى نخبة ذلك العصر. لقد وُلد في مدينة طرسوس الهيلينية عاصمة كيليكيا وكان من سبط بنيامين مثل الملك شاول الذي سُمّي على شرفه. وفي نفس الوقت كان يتمتع منذ ولادته بمواطنة رومانية وهي امتياز نادر بالنسبة لغير سكّان روما، الأمر الذي قد منحه حقوقاً خاصّة كثيرة (مثل حق رفع دعواه إلى القيصر الذي استغلّه للوصول إلى روما على نفقة الدولة). معنى اسم "Paulus" هو "الصغير" وهو اسم روماني ومن المفترض أنه كان يحمله منذ ولادته، ولكنه لم يبدأ يستخدمه بدلاً من الاسم السابق "شاول" إلا بعد اهتدائه إلى المسيحية. وحصل بولس على التعليم في أورشليم عند أشهر معلم الناموس في ذلك العصر جمالائيل وكان ينتمي إلى فئة الفرّيسيين الغيورين على شريعة موسى والحرصين على الالتزام بكل وصاياها إضافة إلى "تقليد الشيوخ". وبالرغم من أن المسيح كان يوبّخ الفرّيسيين، نجد عدة أمثلة لتحوّل بعضهم إلى تلاميذ مخلصين للمسيح، وبالتالي فإنّ شاول - بولس ليس وحيداً من هذه الناحية.

بالنسبة لطباع سمعان وشاول فنجد بينهما أوجه شبه كثيرة. بعد إكمال تعلّمه عند جملائيل لم ينهمك بولس في تفسير شريعة موسى فحسب، بل كان يتطلع إلى تطبيقها وحتى فرضها عملياً. فوجد أنّ المجال الأنسب لمثل هذا الجهاد هو مكافحة "الهرطقة" الحديثة النشوء التي كان أتباعها يتحدّثون عن رجل قام من بين الأموات اسمه يسوع قائلين بأنّ الإيمان به أهمّ من أعمال الشريعة بكثير! لم يكن في وسع شاول تحمّل هذا الشيء. وعندما كان الشمّاس إستفانوس يُرجم بالحجارة بسبب كرازته في هذا الموضوع، كانت مهمّة شاول مجرّد حرس ثياب راجميه، ولكن بعد قليل انطلق الشاب الغيور بنفسه لمعاقبة "الهراطقة" في دمشق. وفي هذا الطريق بالذات حدث لقاء غيّر حياته إلى الأبد.

وماذا عن سمعان الذي كان تلميذاً للمسيح منذ البداية؟ إنه في نفس الدرجة من الاندفاع والحماس. ها المسيح يأمره وهو لا يزال صيّاداً ليس برسول بعد أن يلقي شباكه مرة أخرى بعد تعب الليل الذي لم يأت بنتيجة فيطيع وعندما يجد الشباك ممتلئة بشكل عجيب يقول للمعلّم: "اخرج من سفينتي يا ربّ، لأني رجل خاطئ" (لو 5: 8). كم كان شعوره بعدم استحقاقه وعدم طهارته حادّاً! ولكن في وقت لاحق إذ رأى بطرس المخلّص ماشياً على الماء طلب منه في الحال: "مرني أن آتي إليك على الماء" (مت 14: 28). أجل، بعد ذلك شكّ وابتدأ يغرق، ولكن باقي الرسل لم يجرؤوا على نفس المحاولة! عندما تحدث معجزة في حضور سمعان لا بدّ له من التجاوب معها في الحال، فكل شيء بالنسبة له يكتسب حيويته في نفس لحظة حدوثه. ولذلك كان بطرس بالذات هو الذي عبّر عن اعترافه بالمسيح قبل قيامة الربّ بكثير: "أنت هو المسيح ابن الله الحي" (مت 16: 16)، علماً بأن حتى يوحنا المعمدان قد أرسل تلاميذه إلى المسيح ليسألوه إذا كان هو الآتي... لم يشكّ بطرس، وردّاً على اعترافه سمّاه المسيح بالصخرة التي سيبني عليها كنيسته. فأصبحت الكلمتان الآرامية واليونانية بمعنى "الصخرة" وهما "صفا" و"بطرس" اسماً جديداً لسمعان.

كانت في حياة الرسولين نقطة تحوّل جعلت كل واحد منهما على ما أصبح عليه فيما بعد. ظهر لشاول في طريقه إلى دمشق المسيح القائم من الأموات وسأله: "شاول! شاول! لماذا تضطهدني؟" (أع 9: 4). ومنذ تلك اللحظة تغيّر كل شيء في حياته، أو على الأصحّ لم تعد حياته له، بل أصبحت مكرّسة للكرازة بمن كان يضطهده سابقاً.

أما بطرس فعلى العكس أصبحت هذه النقطة في حياته هي إنكاره. كان قبل صلب المسيح قد وعده بأنه لن يتركه حتى لو هُدّد بالموت، لكن المسيح أجابه: "إنك في هذه الليلة قبل أن يصيح ديك تنكرني ثلاث مرّات" (مت 26: 34). من المفترض أنه لو تقدّم إليه الجلادون في الحال لواجه استشهاده بشجاعة، ولكن كانت أمامه ليلة طويلة مليئة خوفاً وغموضاً... فلم ينتبه بطرس إلى إنكاره للمسيح ولم يلاحظ ذلك حتى صاح الديك. وتأكّد أوّل الرسل من عبرته الشخصية أنه من السهل أن يصبح الأول هو الآخر. وبعد أن ذرف بطرس دموع التوبة سمع كلام المخلّص الموجّه إليه: "ارع خرافي" (يو 21: 17) وذلك بعد أن سأله سؤالا بسيطاً: "أتحبّني؟" سأل الرب هذا السؤال ثلاث مرّات حتى أن بطرس حزن، ولكن بعد تلك الليلة لمّا صاح الديك كان لا بدّ من هذا الاختبار لأن الذي أنكر ثلاث مرات اعترف بمحبّته ثلاث مرّات أيضاً.

وكان بطرس وبولس يعرفان أنّ ثمن هذه المحبّة هي الراحة والهدوء. فبعد اعتراف بطرس بمحبّته للمسيح تنبّأ يسوع بموته قائلاً: "... إنك تمدّ يديك وآخر يمنطقك، ويحملك حيث لا تشاء" (يو 21: 18). وبالتالي وجوب الموت الاستشهادي هو بمثابة شرط ضروري للخدمة الرسولية، وكان بطرس الذي قد رأى صلب معلّمه وبولس الذي كان يعذّب المسيحيين سابقاً يفهمان ذلك تماماً. فكان مصير كليهما الإعدام في روما في الستّينات للميلاد وذلك قبل أن يتمّ إنجاز السفر الأخير من العهد الجديد.

نجد قصّة كرازتهما في سفر أعمال الرسل. كانت البشارة في البداية موجّهة إلى "الخراف الضالة لبيت إسرائيل" بالدرجة الأولى، وكان لا بدّ لبطرس من رؤيا عجيبة ليتأكد من أن الله يدعو الوثنيين إلى الإيمان كما يدعو اليهود. ومع ذلك اقتصرت كرازته على إخوته في الإيمان قبل غيرهم، فربّما كان من الصعب على الصيّاد الجليلي البسيط التوجّه بكلمة إلى مستمعين من أهل لغات وثقافات أخرى. وهذه المهمّة نحج فيها أكثر بولس المثقّف حيث قال: "... اُؤتمنت على إنجيل الغرلة، كما بطرس على إنجيل الختان" (غل 2: 7).

وعموماً، هناك اختلافات كثيرة في شخصيهما. مثلا، كان بطرس قبل لقائه بالمسيح متزوّجاً، أما بولس فقرّر أن يبقى أعزب مدى الحياة لكي لاتمنعه الأمور العائلية عن دعوته الرئيسية. ولكنه نفسه قال عن بطرس إن زوجته كانت ترافقه (1كو 9: 5)، وبالتالي ليس من الضروري أن تكون الحياة الزوجية عائقاً للعمل التبشيري.

إنّ المقارنة بين الرسولين الذين سمّيا فيما بعد بهامتيْ الرسل تتطلّب وقتاً طويلاً وذكر تفاصيل كثيرة تخصّ حياة كل منهما. ولكن من الأفضل أن نعطي الكلمة لهما نفسيهما ليخبرانا بمعنى الأولية بين الرسل:

بطرس: "أطلب إلى الشيوخ الذين بينكم، أنا الشيخ رفيقكم، والشاهد لآلام المسيح، وشريك المجد العتيد أن يُعلن، ارعوا رعية الله التي بينكم نظّاراً، لا عن اضطرار بل بالاختيار، ولا لربح قبيح بل بنشاط، ولا كمن يسود على الأنصبة، بل صائرين أمثلة للرعية. ومتى ظهر رئيس الرعاة تنالون إكليل المجد الذي لا يبلى" (1بط 5: 1-4).

بولس: "مختون في اليوم الثامن، من جنس إسرائيل، من سبط بنيامين، عبراني من العبرانيين، من جهة الناموس: فرّيسي. من جهة الغيرة: مضطهد الكنيسة. من جهة البرّ الذي في الناموس: بلا لوم. لكن ما كان لي ربحاً، فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة. بل إنّي أحسب كل شيء أيضاً خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربّي، الذي من أجله خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح... ليس أني قد نلت أو صرت كاملاً، ولكني أسعى لعلّي أدرك الذي لأجله أدركني أيضاً المسيح يسوع" (في 3: 5-8، 12).

 

د. أندري ديسنيتسكي

(معهد الدراسات الشرقية لأكاديمية العلوم الروسية)

من معرض الصور

  • لافرا مغاور كييف
  • كنيسة آيا صوفيا في كييف
  • لافرا القديس سيرجي
  • أديرة صربية
  • دير سولوفكي
  • كنيسة آيا صوفيا في كييف
  • لافرا القديس سيرجي
  • لافرا القديس سيرجي
  • كيرلس وميثوديوس
  • لافرا مغاور كييف