Text Size

الخميس, نيسان/أبريل 19, 2018

أهلاً بكم في موقع التراث السلافي الأرثوذكسي باللغة العربية

 

Parom 100x66كانت تتذكر خطواته الأولى عندما كان يمدّ يديه إليها وهو يتأرجح على رجليه الصغيرتين المكتنزتين ويدبدب بخطواته حتى يوشك أن يقع على الأرض فيجد نفسه في أحضانها. كان ولداً وسيماً قوياً طيباً، وكان لماحاً يتعلّم بسرعة أطيب الكلمات وأجمل الحركات.

     كانت تنبعث منه رائحة الربيع وكأنه يريد أن يبقى معه إلى الأبد. كانت الأم تتذكر كلمته الأولى وهي كما عند كل الأطفال كلمة "أمي". لقد نطقها وابتسم ابتسامة هادئة. احتفظت الأم بهذه الابتسامة في داخلها كونها وجدت فيها لغزاً، وهي ككلّ امرأة أرادت أن تحلّ كل الألغاز في العالم، ولكن هذه المرّة لم تقدر على ذلك.

كان قلب الأم يتّسع لمحّبة يكفي قدرها للجميع، ولكنها كانت تحبّه هو أكثر من غيره. كان يبدو لها أنّ نجماً سعيداً يسطع فوقه منذ ولادته ولا يغادر سماءه ليلاً ونهاراً.

كان زوجها قد تركها وذهب إلى امرأة أخرى ولكنها لم تكن تلومه أبداً معتقدة أنها لم تستطع أن تعطيه ما أراده. كانت تقول لصديقاتها: "السمكة تبحث عن مكان أعمق، أما الإنسان فعن مكان أفضل. ولكن يوجد عندي طفلي". كانت تدعوه وتمسح شعره المتجعّد العاصي قائلة: "إنه سيملأ حياتي بما فيها بفيض الملء!". ولم تكن صديقاتها يشككن في ذلك.

إنّ كل أسرة لها فردوس صغير خاصّ بها كما لها جحيمها الصغير. كان الولد يكبر في فردوس محبّتها، أما جحيم الحياة الصعبة والمُعقّدة فقد تركته لنفسها. لم تكن الأم تأتي بأحزانها وضيومها وخيبات أملها إلى البيت أبداً، ولكن محبّتها الفائقة لم تفسد الابن. لم يكن الولد يظلم أترابه أبداً في ألعاب الأطفال التي تكون قاسية أحياناً وكان يدافع عن الضعفاء دائماً. لم يكن مخلوقاً طائعاً بل على العكس، جعلته طاقته الفوّارة قائداً لأولاد الحارة الذين كانوا يقدمون تحت قيادته على مغامرات تسبّب لهم عقاباً من الآباء. كان الجميع يُعاقبون إلا هو. لم يكن الابن بحاجة إلى العقاب، وذلك لأن نظرة الأمّ الحزينة كانت تؤثر عليه أكثر من الحزام.

لم تكن الدراسة تهمّه كثيراً، ومهما اجتهدت الأم كان يتعلّم بنوع من الفتور. ولكن مواهبه الموروثة لم تدعه يبقى بين الفاشلين، بل ساعدته أن يتقدّم أحياناً إلى مستوى المتفوّقين الأوائل. على كل حال، تخرّج من المدرسة وليس في شهادته علامة "مقبول" واحدة.

كانت الأم تعتقد أن ابنها سيكون إنساناً عظيماً وأنها ستفتخر به في شيخوختها. ليس من المهمّ أن أسرتهما الآن صغيرة مثل شجرة تفاح بالغة سنة واحدة. سيتزوّج الابن وسيكون عنده أطفال موهوبون مثله، فبعد مرور عدّة عشرات من السنين ستصبح شجرتهما العائلية كبيرة ذات ثمار وغير خائفة من عواصف هذه الحياة القاسية، وسيكون بإمكانها أن تحمي تحت ظلّها أناساً مساكين كثيرين.

كانت مستعدّة لكل شيء من أجل أن يتحقق هذا الحلم. كانت حياتها في نظر المحيطين بها خاملة مملّة. لقد امتنعت عن فكرة تدبير حياتها الشخصية ولم تكن تأتي برجال إلى البيت لأنها لم تعرف كيف يستوعب ابنها الحبيب هذا الأمر.

كانت الأم تشتري له منذ طفولته المبكرة كتباًً في شتى المواضيع لكي تنكشف لها ميوله. كانت متحيّرة لأن الولد لم يكن مهتماً بالسيارات ولا بألعاب التصميم، كما لم يجذبه الرسم أو التشكيل من معجونة الملتين. لم يثر اهتمامه الصادق سوى كتاب مصوّر عن السماء المليئة بالنجوم. فطلب منها أن تشتري المزيد من الكتب عن النجوم والكواكب وكان يقرأها طول الوقت. كانت الأم تتساءل: "أيريد أن يكون عالم فلك؟ وهل هذه هي دعوته؟ يا ترى هل هذا يناسب مواهبه؟". مهما حاولت لم تستطع أن تتذكر اسم عالم فلك مشهور واحد. فكيف ستستطيع أن تفتخر بعالم فلك بسيط؟ ولكن، قد يريد أن يصير رائد فضاء؟ إنه يملك كل ما يلزم لذلك: الصحة والذكاء والإصرار. وعندما طلب الولد أن تشتري له التلسكوب بدأت الأم تدّخر النقود من مرتّبها المتواضع الذي لصغار العاملين في الأبحاث العلمية من أجل هذه اللعبة الغالية الثمن.

وأخيراً، عندما كان في الحادية عشرة من عمره وجد تحت شجرة رأس السنة تلسكوباً صغيراً وكان فرحه لا يوصف. كانت الأم تقول في نفسها بقلق: "يا ليته يصبح رائد فضاء أو على الأقلّ مهندس تصميم، ولكن ليس عالم فلك!".

ثمّ نسي الابن عن التلسكوب وابتلعه الشارع والصبايا. كانت هذه الأمور طبيعية بالنسبة لكل ولد، ولكن، في رأي الأم، كان لا بدّ من أن يكون لابنها طريق سعيد خاصّ! تحيّرت الأم وندمت قليلاً على إنفاق النقود على التلسكوب، فكان من الأفضل أن تشتري له ثياباً جيدة.

كان الوقت يمرّ، والأم تشيخ والابن يكبر. لقد دخل جامعة مشهورة وكثيراً ما كان يرجع إلى البيت مع باقة زهور لها. ظهرت عنده صديقة جميلة ذكية غير مهتمّة بتلك الهوايات المعاصرة التي قد سحرت الجيل الجديد. كان يبدو أن أحلام الأم بشجرة عائلية رائعة ستتحقق قريباً، فسيكون عند الزوجين الشابّين أطفال جميلون وعندها أحفاد أحبّاء. سيكون ابنها إنساناً ذا هيبة، وستكون شيخوختها هادئة وسعيدة وهي محاطة بالأحبّاء. صارت ترى أحلامها تفرّخ وتعطي أغصاناً خضراء نحو مستقبل ذهبي منشود.

ولكن حياة ابنها أخذت تتغيّر بشكل مفاجئ. ابتدأ ذلك بعد أن جاء الابن إلى البيت بكتاب "العهد الجديد". لم تكن الأم متديّنة وكانت تؤمن بقوة العلم والعقل والتقدّم العلمي التكنولوجي. كانت ملحدة مقتنعة ولم يكن في البيت أي كتب دينية أبداً. صار إنجيل ابنها أوّل كتاب مسيحي وُجد في شقتهما من غرفتين ذات سقوف عالية في عمارة مبنية في عهد ستالين.

أخذ الابن يقضي ساعات مع هذا الكتاب كما كان يجلس منذ عدة سنوات مع الكتاب عن السماء والنجوم. قلقت الأم وتكلمت مع صديقة ابنها فعرفت أنها أيضاً غير مرتاحة لهوايته الغريبة.

ظهرت على رفّ الكتب للابن كتب غامضة على غُلفها صور رهبان ملتحين صارمين لابسين ملابس سوداء وفي أيديهم مسبحة. كانت تقرأ أسماءهم – إغناطيوس بريانتشانينوف، ثيوفان الحبيس، يوحنا السلّمي، مكسيموس المعترف – والخوف المجهول يملأ قلبها.

ازداد عدد الكتب التي تحمل صور الشيوخ الصارمين أكثر فأكثر. كانت تخاف منهم كما من سحرة قدماء مستعدّين لوضع سدّ أمام أحلامها المحترقة في النار التي كانت تملأ أعين هؤلاء الناس الغرباء عليها. لقد صار الشيوخ جداراً بين الأم والابن. لم تنطفئ المحبّة بينهما، ولكن مع كل كتاب مقروء جديد كانت تشعر بأن البرودة بينهما تزداد.

ذات يوم عندما كان الابن خارج البيت، دخلت غرفته بحذر وفتحت العهد الجديد بيدين مرتعشتين. وأوّل عبارة وقعت نظرتها عليها كانت: "وأعداء الإنسان أهل بيته" (مت 10: 36). أغلقت الأم الكتاب وارتمت على السرير وبكت. ما الذي يعلّمه هؤلاء الرهبان الملتحون؟ كيف يمكن أن تكون هي التي ربّت الابن بكل هذه المحبّة عدواً له؟

عندما رجع من المعهد حاولت الأم أن تفاتحه بجدّية. أرادت أن تعرف إلى أيّ مدى ابتعد ابنها عن ذلك الطريق الذي كانت قد حدّدته له في أحلامها. كان حديثهما صعباً. كانت عيناه ملتهبتين مثل أعين الشيوخ من كتب الرهبان، وكأنه نسي أنها كرّست حياتها له وهو يحاول أن يقنعها بأن تفهم وتقبل تلك الحقيقة الأبدية التي انكشفت له. لم يفكّر في أنّ أحلامها تحطّمت. كانت تجادله وتحاول إقناعه بالعكس ثمّ بكت. كان الابن يعزّيها ولكنه بقي ثابتاً في حزمه.

مرّ أسبوعان، فعزمت الأم على خطوة متهوّرة. تقدّمت من رفّ الكتب بكراهية مكتومة ونظرت في أعين الشيوخ الملتحين نظرة ظافرة ووضعت كل الكتب في حقيبة وأخفتها في الخزانة. عندما رجع الابن قالت له إنّ كل ما كان مولعاً به في الفترة الأخيرة هو هذيان مضادّ للعلم ورعونة وإنّ الدين مضرّ للشباب غير الناضجين. ثم كتّفت يديها وأعلنت بحزم أنها رمت كل كتبه في حاوية القاذورات.

جلس الابن على السرير وبكى قابضاً على رأسه بين يديه. فسمعته يهمس بصوت خافت: "وأعداء الإنسان أهل بيته". أجهشت الأم بالبكاء وركضت إلى غرفتها وأرجعت له الحقيبة. لقد اتضح لها أنّ أحلامها من الصعب أن تتحقق نظراً لمزاجٍ كهذا لابنها.

ثم ترك الابن الدراسة في الجامعة وتركته صديقته. كان يتألم كثيراً إثر انقطاع العلاقة بينهما وأملت الأم في أن هذا الحبّ الأول الفاشل سيرجعه إلى الصواب. كلاّ. وجد الابن عملاً في إحدى الكنائس كخادم هيكل وأطلق لحيته. كان يعامل أمّه بلطف ولباقة كما في السابق ولكنه نبّهها إلى أنّ الطريق الذي اختاره هو فوق أي شيء آخر وأنّ قراره لن يتغيّر.

*****

حان العصر الذي لم يعد الدين يُعتبر فيه من رواسب الماضي. انتهى اضطهاد المؤمنين وتوقف الأرثوذكس عن الاختفاء. فعرفت الأم أن العديد من العلماء كانوا مؤمنين، منهم الأكاديمي بافلوف والبروفسور لوسيف.

في السنة التالية دخل الابن الكلية الإكليريكية في سيرجييف بوساد*. كانت الأم تزوره في أيام العطلة وصارت تتشرّب بالأرثوذكسية شيئاً فشيئاً. لم يعد الشيوخ الملتحون في نظرها عابسين جداً، فانتعشت أحلامها مرة أخرى.

كان الابن ينجح في دراسته وصارت عنده صديقة كانت تدرس في نفس المكان في قسم الترتيل. فوجدت الأمّ أنه من الجميل والنبيل جداً أن يصبح ابنها كاهناً. إنه سيساعد الناس وقد تنطلق منه عشيرة كهنوتية قوية.

وهكذا مرّت السنون.

كان الابن يدرس في السنة الأخيرة من الكلية الإكليريكية واستعدّ للرسامة. كانت صديقته موافقة على أن تصير خورية، وكانت الأم تأمل في أنّ شجرتهم العائلية ستنمو من الآن وتثمر.

ولكن كل شيء تغيّر فجأة من جديد. فتلك النار التي لإغناطيوس بريانتشانينوف ويوحنا السلّمي وثيوفان الحبيس ومكسيموس المعترف ويوسف الهدوئي أحرقت كلّ أحلامها مرة أخرى.

ذات يوم عندما كانت الأم تشرب الشاي في المطبخ وتحلم بالمستقبل اتصلت بها خطيبة ابنها مُنتحبة وقالت لها شيئاً انكمش منه قلب الأم ألماً وخوفاً.

اتضح أنّ ابنها، ببركة من شيخٍ ما، ترك الكلية الإكليريكية وذهب إلى جبل آثوس المقدس في اليونان ليصير هناك راهباً صامتاً عن الكلام.

لم تذرف الأم دمعة واحدة. كانت تجلس متجمّدة في المطبخ وهي تفهم أنّ حياتها وأحلامها قد احترقت. في تلك اللحظة كادت تكره ابنها الذي تصرّف معها بهذه القسوة. إنها كانت قد وهبت له كل حياتها، أما هو فحطّم أحلامها ولم يُردْ أن يكرّس نفسه لشيخوختها.

لم تصلها أخباره لمدة سنة كاملة. في غضون ذلك هدأت الأم وخضعت للأمر. ولكي تكون أقرب إلى ابنها صارت تحضر إلى الكنيسة وتعترف وتتناول. عندما كانت تصلّي إلى والدة الإله كانت تؤمن بأنّ ابنها تحت رعايتها. كانت تطلب من العذراء الفائقة القداسة أن تعينه في أتعابه الرهبانية الصعبة. ومع الوقت صارت تشعر بصلةٍ ما بابنها من خلال الصلاة، وكأنّ صلواتها تحميه هناك في آثوس، وصلاته تحفظها هنا من كل شرّ. خضعت الأم لمصيرها وذهبت لتدرّس في مدارس الأحد.

وأخيراً جاءتها الرسالة الأولى. ضمّتها إلى قلبها وهي لا تتجرّأ على فتح الظرف في الحال. ولكن بعد دقيقة كانت تمعن النظر في كلمات قليلة وكأنها تسمع الصوت الغالي. لقد كتب أنه صار طالباً للرهبنة في قلاية يونانية، وشيخ القلاية لم يسمح له بالاتصال بها لمدة سنة تجنّباً للتجارب التي للمبتدئين، لكي لا تجعله رسائلها الملآنة بالحزن والمحبّة يتراجع عن الطريق الذي اختاره. خلال هذه السنة الصعبة كان قد تثبّت في اختياره وقرّر أن يبقى في آثوس حتى آخر أيامه. طلب الابن منها ألا تكون رسائلها حزينة وتعطي فكرة عن أحوالها باختصار وتصله ليس أكثر من أربع مرّات في السنة، وبدون أيّ صور. كما طلب منها أن تصلّي له أكثر، لأن جبل آثوس هو مكان التجارب الدائمة.

كانت تصلّي بكلّ قدرتها وتجد في الصلاة من أجل ابنها راحة وتعزية حقيقية. كانت النساء في الكنيسة يناقشن في أمرها أحياناً قائلات: "ما أسعد حظّها، ابنها يتنسّك في آثوس ويصلّي من أجل خلاص عشيرته كلها!". لم يكنّ عارفات كم كان قلب الأم يتألّم من أجل الابن. كيف ابنها الحبيب وهو عائش هناك في بلد غريب، مع شيخ صارم، وسط الحرمان والضيقات؟

وهكذا مرّت عدة سنوات أخرى. صارت الأم وهي ملحدة سابقاً تدرّس في مدارس الأحد أسس التعليم المسيحي، وكان ابنها قد لبس الإسكيم وأخذ اسماً آخر. كان قد تعلّم اللغة اليونانية وببركة من الشيوخ صار يترجم الأدب الآثوسي. كانت تشتري الكتب المترجمة من قبله ومن خلال كل سطر كانت تشعر بروحه الموهوبة الطاهرة.

لقد أدركت الآن أنّ اختيار ابنها كان صحيحاً، أمّا أحلامها فأنانية. إنها أرادت السعادة لنفسها فقط، أمّا هو فأصبح مصلياً من أجل العالم كله. فصارت تفتخر باختياره الذي غيّر حياتهما إلى هذه الدرجة. وبعد قليل أصبحت الأم مديرة لمدرسة الأحد. كان في قدرتها أن تحبّ وقد تعلّمت الصبر، فعندما كانت تشرح للتلاميذ أسس التعليم المسيحي كانت خبرتها النفسية الصعبة تساعدها في جعل المادة قريبة ومفهومة بالنسبة للأطفال.

*****

ولكن الإنسان هو مخلوق قصير العمر وخاضع للأمراض. كانت الأم قد وجدت نفسها في المستشفى أكثر من مرّة بسبب نوبات قلبية. كانت لها رغبة شديدة في رؤية ابنها ولو مرّة واحدة قبل موتها لتعرف كيف صار، وكان هذا آخر أحلامها. دفعها شوق قلبها إلى مخالفة وصية الشيخ فأخبرت الابن بمرضها، وكتبت له أيضاً أنّه قد لا يبقى لها إلا وقت قليل. طلبت منه أن يسأل موافقة الشيخ على وصولها إلى اليونان ورؤيته آخر مرة. لعلّ "الغيروندا" يوافق على رغبة الأمّ التي حياتها على وشك الانتهاء، فوعدت الابن بأن تمتلك نفسها بكل قدرتها ولا تذرف دمعة واحدة عند اللقاء.

وبعد قليل أرسل الابن الجواب. كان قد نذر نذراً بعدم مغادرة أرض آثوس أبداً، وكما هو معروف، يُمنع على النساء دخولها. ولكن شيخه اعتبر رغبة الأمّ شرعية وابتكر طريقة للقائهما.

كان عنده صديق وهو ربّان عبّارة "أكسيون إستين" التي كانت تقلّ الحجّاج إلى الجبل المقدس. فكان على الأمّ أن تقصّ شعرها وتتنكّر في ملابس الرجال، ثمّ أن تتصل بالربّان الذي أعطي لها رقم هاتفه وعليه أن يخبّئها في حجرته. وعندما تبلغ العبّارة "الأرسانا" أيْ مرسى كافسوكاليفيا القديمة حيث يتنسّك الابن، سيقول الربّان للركّاب إنه يوجد عطل في العبّارة، وبالتالي ستبقى العبّارة حوالي عشر دقائق عند الشاطئ، وفي هذه المدّة يمكن للأم والابن أن يلتقيا على متن العبّارة. وبحسب رأي الشيخ، ذلك لا يُعتبر تعدياً لقانون الجبل المقدس ولا مخالفة لنذر الراهب الشاب، لأن الأم لن تطأ رجلها على آثوس، أما الابن فلن يخرج من الجبل المقدس أيضاً لأن العبّارة سترسو عند الشاطئ.

قبلت الأم اقتراح الشيخ هذا بفرح عظيم. فاستدانت النقود ووصلت إلى اليونان وبلغت سالونيك حيث التقت بربّان العبّارة الذي كانت زوجته من يونان "البنطس" وكانت تعرف الروسية جيداً.

فحان اليوم المنتظر. كانت الأم وهي متنكّرة في ملابس الرجال لكي لا تكون عثرة للحجّاج تجلس في حجرة الربّان وتنظر عبر النافذة متذوّقة اللقاء. كانت كافسوكاليفيا آخر موقف للعبّارة. كانت الأم تنظر إلى شواطئ آثوس الجبلية الخضراء حيث تحققت أحلام ابنها الذي كما يبدو شاءت إرادة الله منذ أن وُلد أن يصير راهباً آثوسياً. كانت قد رأت هذه الشواطئ والأديرة مرّات كثيرة على الصور وعرفتها بالاسم. ها هو مباشرة بعد "دافني" دير "سيمونوبيترا" الواقع على صخرة، ثمّ "غريغوريو" الصغير وثمّ "ديونيسيو" الصارم.

وأخيراً رست العبّارة بعد ساعة عند أرسانا كافسوكاليفيا. لم يكن من المخطّط وقوفها هناك في ذلك اليوم، ولذلك لم ينزل أحد إلى الشاطئ ولم يصعد أحد على متنها.

كانت الأم مضطربة وهي تحاول مندفعة أن تقترب من حافة المتن. أيمكن أن يكون الشيخ قد حدّد تاريخاً آخر؟ لم يستطع الربّان أن يمسك بالأم التي كانت تقف عند حافة المتن شاخصة إلى الشاطئ. ولكن لم يكن أمامها سوى صخرة واطئة وردية اللون وبعض الحيطان الحجرية. كانت أمواج البحر تتكسّر على الأرسانا، وكان الربّان ينظر إلى ساعته بقلق. وأخيراً أشار لها بيديه مظهراً أنّ الوقت قد مضى ويجب الانطلاق إلى الوراء. فانطلقت العبّارة في طريق العودة. كانت الأم واقفة في حيرة على المتن وتشاهد المحرّك يرغّي ماء البحر.

وفي هذه اللحظة خرج الابن من وراء الحائط الحجري ونطق ما يمكن الشعور به فقط دون سماعه بسبب صوت المحرّك. قال: "أمي"، فاستنار البحر بنور سعادتها الساطع. إنه الآن كان يشبه كثيراً الشيوخ الملتحين اللابسين ملابس سوداء من كتبه. فمدّت إليه يديها وكأنها تريد أن تعانقه آخر مرّة.

كانت العبّارة تبتعد عن الشاطئ أكثر فأكثر وهي تبعدها عن ابنها. نظرت الأم في عينيه فوجدت فيهما تلك النار التي قد أحرقت كل أحلامها.

ولكنها عرفت الآن ما هي هذه النار.

إنه لهيب المحبّة الأزلية.

ستانيسلاف سينكين**

 

النص الأصلي:

Станислав Сенькин. Мать // Совершенный монастырь. Афонские рассказы. – М.: Артос-Медиа, 2010. – С. 25-43

------------------------------

* سيرجييف بوساد – مدينة في محافظة موسكو تقع فيها لافرا الثالوث القدوس والقديس سيرجي.

** ستانيسلاف سينكين (مواليد 1975) – كاتب روحي روسي، خرّيج كلية الصحافة لجامعة موسكو. قد قضى ثلاث سنوات في جبل آثوس وأصدر عدة مجموعات من القصص الآثوسيّة المبنية على الأحداث الحقيقية.

المجموعة: الأدب الروحي

من معرض الصور

  • أديرة صربية_7
  • لافرا القديس سيرجي
  • لافرا مغاور كييف
  • مناظر كييف
  • لافرا مغاور كييف
  • دير سولوفكي
  • دير جيتشا/ صربيا
  • أديرة صربية
  • دير سولوفكي
  • أديرة صربية